فصل: مسألة لو دفعها إليه مبهما، فادعى أحدهما الحلال والآخر الحرام؟:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة لا يجوزلرب الأرض أن يشترط على المغارس إلا القدر اليسير:

وسئل أصبغ عن رجل أعطى رجلا أرضا على أن يضرب حولهـ جدارا أو يحفر حولها سياجا أو يزرب حولها ويغرسها، فإذا بلغ الغرس كذا وكذا لأجل حدداه بينهما فله النصف من جميع الغرس والجدار والسياج والزرب والأرض، فإنه لا يتم في موضعه ذلك إلا أن يسدوا حوله من كثرة المواشي واختلاف الناس والمضيق في موضعهم ذلك، وكيف إن كانت الأرض في موضع لا يخاف على الغرس فيه فساد ما ذكرت لك واشترط عليه السداد؟
قال أصبغ: إن كانت مؤونة يسيرة فهو جائز، وإن كانت مؤونة السياج والحائط والزرب يعظم ويكثر فلا خير فيه، وهو زيادة في المجاعلة وهو غرر أيضا لعله لا يتم من الغراس شيء فترجع الأرض بحيطانها وسياجاتها إلى ربها فيكونان قد تخاطرا، ويكفيك أن يحمل هذا على ما تحمل على المساقاة من سد الحظار وسد الشرب وما لا تعظم مؤنته ولا تكثر نفقته، فيجوز كذلك، قال مالك فيما قد علمت، وإلا لم يجز.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يجوز لرب الأرض أن يشترط على المغارس إلا القدر اليسير الذي يجوز لرب الحائط أن يشترطه على المساقي في المساقاة صحيح، لأن المغارسة على جزء من الأرض مقيسة عليها حسبما قد ذكرناه في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وهي على القول الثاني مقيسة على الجعل فلا يجوز أيضا اشتراط الزيادة الكثيرة فيه إذ لا يجوز ذلك في الجعل لأنه متى أحيل عن سنته باشتراط الزيادة فيه من أحدهما خرج عن أصله وعاد إلى الإجارة الفاسدة، وقد أجاز ابن القاسم في سماع حسين بعد هذا أن يشترط رب الأرض على العامل عمل نصيبه سنين مسماة بعد المقاسمة، وأنكر ذلك سحنون، فقوله في إنكاره صحيح على قياس قول أصبغ هذا، ولأصبغ في الواضحة مثل قول ابن القاسم هذا في سماع حسين، وزاد قال: وذلك أنه إذا غارسه على حد معروف واشترط أن يقوم له بحصته إلى أجل من السنين قد تمت المجاعلة بينهما، وصار لكل واحد نصفه يصنع فيه ما شاء، وصار لصاحب الأرض على الغارس عمل وخدمة إلى أجل معروف في نصفه الذي صار له، فجاز ذلك، واعترض عليه الفضل قوله قد تمت المجاعلة بينهما، وقال: أرأيت إن أبطل الغرس من قبل أن يبلغ النبات الذي تعاملا عليه وأبى الغارس أن يعيد غرسه أتتم المغارسة بينهما؟ واعتراضه صحيح والله الموفق.

.مسألة أعطى رجلا أرضا يغرسها شجرا على أن الشجر بينهما نصفان:

ومن كتاب النسمة:
وسئل عن رجل أعطى رجلا أرضا يغرسها شجرا على أن الشجر بينهما نصفان فلما غرس وأطعم الغرس أراد صاحب الأرض إخراجه حيث عمل ما عملا عليه، هل للغارس من إجارة عمله يوم يخرج، أو قيمة غرسه؟ قال: أرى له غرم قيمة غرسه الذي جاء به على صاحب الأرض، وإجازته فيما عمل وسقى وأصلح، ويقيم له ذلك أهل البصر، ويأخذ إجارته تامة إن كان أقام في ذلك سنة أو سنتين أو أقل أو أكثر، ويكون له مع ذلك قيمة الغرس الذي غرس في أرض هذا.
قال محمد بن رشد: قوله على أن الشجر بينهما نصفان يريد الشجر دون الأرض، ولذلك حكم لها بحكم المغارسة الفاسدة، فيردهما فيها إلى حكم الإجارة، وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.

.مسألة دفع أرضه إلى رجل على أن يغرسها نخلا والثمر بينهما:

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم: في رجل دفع أرضه إلى رجل على أن يغرسها نخلا حتى إذا أثمرت كانت النخل والأرض بينهما قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم طلق من سماع ابن القاسم أن المغارسة إلى الإطعام جائزة، ومثله يأتي في رسم حسين بن عاصم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وأحد قولي ابن المواز في كتابه، وله فيه قول آخر أن ذلك لا يجوز لأنه لا يدري متى يثمر؟ إذ قد يعجل ذلك وقد يؤخر، وبالله التوفيق.

.مسألة لو دفعها إليه مبهما، فادعى أحدهما الحلال والآخر الحرام؟:

قال: أرأيت لو دفعها إليه مبهما، فادعى أحدهما الحلال والآخر الحرام؟ قال: ينظر إلى عمل أهل ذلك البلد، فإن كان الغالب عليهم الحرام سلك بهم سبيل الحرام، إن كانت الثمرة لم تثمر أعطى العامل النخل مقلوعا إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمتها مقلوعا ولا شيء له في عمله ولا سقيه، وإن كانت أثمرت كانت الثمرة للعامل وكان لصاحب الأرض كراء أرضه يوم أثمرت النخيل، فإن كان عمل أهل ذلك البلد الحلال سلك بهم سبيل الحلال، وإن كان أهل تلك البلدة يعملون بالحلال والحرام وهذا يدعي حراما وهذا يدعي حلالا حلفا ويفسخ الأمر بينهما.
قال محمد بن رشد: تكلم في أول هذه المسألة على الفوات وفي أخرها على القيام، وبنى قوله في ذلك كله على أنه لا مزية لمدعي الحلال في دعواه على مدعي الحرام إلا أن يشهد له العرف بمنزلة مدعي الحرام، فقال في أول المسألة في الفوات: إنه إن كان الغالب في البلد الحرام يسلك بهم سبيل الحرام يريد بعد يمين مدعي الحرام على ما يشهد له به العرف من الحرام فيعطى النخل مقلوعة إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذها بقيمتها مقلوعة ولا كراء على العامل في الأرض إذا لم يثمر النخل إذ لم ينتفع بها وأما إن أثمرت فعميه الكراء، قال في هذه الرواية من يوم أثمرت، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك وتوجيهه في رسم استأذن من سماع عيسى، وقال إنه إن كان عمل أهل البلدة الحلال سلك بهم سبيل الحلال يريد أنه يكون القول قول مدعي الحلال مع يمينه على ما يدعيه من الحلال لشهادة العرف له بذلك، ولو لم يشهد العرف لواحد منهما أو شهد لهما لوجب على قياس هذه الرواية أن يكون قول من يدعي عليه منهما أكثر مما يجب عليه على ما يقر به من الحرام والحلال.
وقال في آخر المسألة في الفوات وإن كان أهل البلد يتعاملون بالحلال والحرام حلفا وفسخ الأمر بينهما، وتحصيل القول في اختلافهما في الحلال والحرام أن اختلافهما في ذلك لا يخلو من أن يكون قبل الفوات أو بعد الفوات، فإن كان قبل الفوات فعلى القول بأنه لا يراعي دعوى الإشباه مع القيام، يتحالفان ويتفاسخان، هذا نص قولهم والذي يوجبه النظر أن يحلف مدعي الحرام وينفسخ البيع، وإن نكل عن اليمين حلف مدعي الحلال وثبت البيع إذ لا معنى لحلف مدعي الصحة إلا بعد نكول مدعي الفساد، لأنه إذا حلف انتقض البيع على كل حال حلف مدعي الصحة أو نكل عن اليمين، فلا معنى ليمينه إلا إذا نكل مدعي الفساد.
وأما على القول بأنه يراعي دعوى الإشباه مع القيام، فيكون على هذه الرواية التي لم ير فيها لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام القول قول من يشهد له العرف منهما دون صاحبه، فإن شهد العرف لهما أو لم يشهد لواحد منهما حلفا وفسخ الأمر بينهما، هذا نص قوله.
وقد مضى أن الذي يوجبه النظر أن يبدأ بيمين مدعي الحرام، إذ لا معنى ليمين مدعي الصحة إلا إذا نكل مدعي الفساد، وأما على المشهور في المذهب من أن لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام فيكون القول قول من يدعي الحلال منهما إلا أن يشهد العرف لمدعي الحرام دونه.
وأما إن كان اختلافهما في ذلك بعد الفوات فلا اختلاف في مراعاة دعوى الإشباه في ذلك، فيكون على المشهور في المذهب من أن لمدعي الحلال مزية في دعواه على من يدعي الحرام، القول قول من يدعي الصحة إلا أن يشهد العرف لمدعي الفساد دونه، وبكون على رواية أبي زيد الذي لم ير فيها لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام القول قول من شهد له العرف منهما دون صاحبه، فإن شهد العرف لهما أو لم يشهد لواحد منهما كان القول قول من يدعي منهما أكثر مما يلزمه على ما يدعي من الحرام أو الحلال، وبالله التوفيق.

.مسألة يدفع أرضه إلى لرجل ليغرسها على انها بينهما نصفين:

ومن سماع حسين بن عاصم من ابن القاسم قال حسين: قلت لابن القاسم أرأيت الرجل يدفع أرضه إلى الرجل ليغرسها أصولا معروفة على أن الشجر والأرض بينهما بنصفين؟ قال: قال مالك: لا بأس بذلك إذا سميا للشجر قدرا معلوما أو شبابا معروفا ينتهي إليه. قال: قلت لابن القاسم ما هذا الشباب الذي وصفه مالك لكم؟ قال: حد الشجر في ارتفاعها حتى تكون تزيد قدرا معلوما كالقامة والبسطة ونصف القامة وما أشبه ذلك في سعفات تلقيها الشجر معروفة أيضا، قال: فقلت له أيجوز هذا إذا كانت الشجرة تثمر قبل بلوغها لهذا الشباب والقدر الذي وصفت لك؟. قال: لا يجوز ذلك وتفسخ معاملتهما.
قلت له: لم فسخت ذلك بينهما؟ قال من قبل: إن العامل تكون له الثمرة التي تثمر تلك النخل إلى أن تبلغ الشباب والقدر الذي سمياه بينهما ثم يكون نصف تلك الشجر بأرضها للعامل مع الثمرة كلها التي كانت قبل ذلك، فصار أجيرا بثمرة لم يبد صلاحها وبنصف هذه الأرض بما ينبت فيها، فلا يجوز.
قلت: فإن سميا عدة سنين يعملها العامل يغرسها ثم يكون بعد ذلك بنصفين؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت أرضا مأمونة قد عرفها الناس لأنها لا يخفى أمرها ونبات شجرها، وذلك إذا كانت السنون لا تتم الشجر قبلها، فإن أثمرت قبل الأجل لم يصلح، لأنه لا يدخله ما وصفت لك من بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحه إذا كان به أجيرا وبنصف الشجر إلى هذا الأجل.
قلت: فإن اشترط إلى أن تثمر؟ قال: لا بأس بذلك.
قلت: لم والإثمار مختلف؟ منه ما يتعجل فيقل عمل العامل فيه فيغبن رب الأرض وقد ظن رب الأرض أنه سيبطأ عمله ويكثر عمل الناس فيه، ومنه ما يبطأ فيظن العامل أنه سيتم معجلا ويقل عمله فيه، فإن كان إثماره قريبا غبن العامل رب الأرض، وإن كان إثماره بطيئا غبن رب الأرض العامل.
فقال الإثمار معروف قدره، وإنما يختلف منه الشيء اليسير فلا يحمل الناس على الخاص وإنما يحملون على العام.
قال محمد بن رشد: أما إجازته المغارسة على جزء من الأرض إلى قدر من الشجر دون الإطعام فلا اختلاف في جواز ذلك، وكذلك منعه من جوازها إلى حد يكون الإطعام دونه أو إلى أجل يكون الإطعام دونه فلا اختلاف أيضا فيه.
وأما إجازته إياها إلى أجل لا يكون الإطعام دونه فهو خلاف ما يأتي له في هذا السماع بعد هذا وجواز ذلك هاهنا على القول بلزوم المغارسة قياسا على المساقاة، والمنع من ذلك على ما يأتي له على القول بأن المغارسة على جزء من الأرض لا يجوز إلا على وجه الجعل الذي لا يلزم المجعول له فيه العمل ولا يجوز فيه الأجل، ويكون له الخروج متى شاء على ما قد مضى القول فيه في رسم العتق من سماع عيسى.
وأما إجازته إياها إلى الإثمار فهو المشهور في المذهب قد مضى مثله في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، ومثله في كتاب ابن المواز، وله في موضع آخر أن ذلك لا يجوز إذ قد يتأخر الإثمار ويتعجل، فهو غرر.

.مسألة يدفع أرضه إلى الرجل ليغرسها فأثمر بعضها وبقي بعض:

قلت فإن أثمر بعضها وبقي بعض؟ قال إذا أثمر الجل منها وبقي الشيء التافه كان تبعا لما أثمر منها، ويكون العامل على شرطه، قلت: فإن أخذها على شباب وحد معروف ينتهي إليه فغرسها مات بعضها وحيي بعضها؟ فقال: إن كان الذي حيي منها ونبت جلها وأكثرها فالأرض وما فيها بينهما، ولا يضره ما مات منها، وإن كان الذي مات جلها أو أكثرها لم يكن له فيما نبت من ذلك الشيء اليسير شيء، لأنه ليس وجه ما عامله عليه، قال: قلت وما باله إذا كان الذي نبت منها الشيء الذي له بال وقدر في الأصول من الغرس، وإن لم يكن جلها ولا أكثرها لا يكون العامل فيما نبت من ذلك على شرطه؟ فقال: نعم، أراه فيما نبت مما وصفت على شرطه ولا يكون له فيما لم ينبت قليل ولا كثير، قال سحنون: لا يكون للعامل قليل ولا كثير إذا كان الذي نبت منه الشيء اليسير لا مما نبت ولا مما لم ينبت، قال سحنون: وأصل قولنا في المغارسة إذا كان الذي نبت منها جلها وأكثرها وحسن منها الشيء اليسير فجميع الأصل والأرض بينهما ما حسن منها وما لم يحسن، وإذا كان الذي نبت إنما هو الشيء اليسير وحسن منها جلها وأكثرها فلا يكون للعامل منه قليل ولا كثير، لا مما نبت ولا مما لم ينبت، فكما يكون للعامل نصف الجميع إذا كان الذي حسن منها الشيء اليسير ما حسن منها وما لم يحسن، فكذلك لا يكون له قليل ولا كثير إذا كان الذي نبت منها اليسير وحسن أكثرها لا مما نبت ولا مما لم ينبت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في سماع أصبغ فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

.مسألة المغارسة على جزء من الأرض دون أن يسميا شبابا ولا حدا:

قلت فإن أخذها العامل على أن يغرسها على النصف ولم يسميا شبابا ولا قدرا موصوفا ينتهي إليه أو أخذها إلى أجل تكون الثمرة دونه ولا تكون الثمرة أو لا تكون الثمرة دونه ففسخت أمرهما ومعاملتهما، وقد نبت الغرس؟ فقال لي أرى أن يقسم الغرس بينهما نصفين، ثم يكون النصف للعامل بقيمته يوم قبض الأرض براحا لا غرس فيها بتفويته إياها بالغرس، لأنه مبتاع لذلك النصف بعمله في نصف الأرض إلا ما لا أمد له ولا وقت، فصار بمنزلة من ابتاع أرضا بثمن مفسوخ يفوتها بغرس أو بناء، فإنها تقوم عليه بقيمتها يوم ابتاعها بلا غرس فيها ولا بناء، فيعطي تلك القيمة البائع وتكون الأرض للمبتاع لتفويته إياها، فهذا يدلك على ما وصفت لك ومما يدلك على ذلك أيضا لو أن رجلا أعطى رجلا أرضا في إبان القليب ليفلحها ويثنيها ويزرعها فقبلها وثناها وزرعها في إبان الزرع على أن تكون الزريعة منهما والأرض غير مأمونة ويكون الزرع بينهما نصفين فإنه يفسخ عليهما إذا لم تكن مأمونة لأنه أجير في نصف الأرض بالنصف الذي أخذ، وهو لا يدري أيتم له الزرع فيها إن مطرت السماء أو لا يتم له إن قحطت السماء، فإذا فسخت عملهما قسمت الأرض بينهما نصفين فيكون للعامل نصف تلك الأرض تلك السنة إن رويت الأرض في إبان الزرع بكراء مثلها؛ لأن الحرث فيها فوت كما كان الغراس فوتا هنالك، ويكون للعامل على رب الأرض قيمة عمل مثله في قليبه وحرثه عطشت الأرض أو رويت، فهذا يدلك على مسألتك أيضا.
قيل: فإن أثمرت الشجر وقد اغتلاها زمانا؟ قال: يكون ما اغتل للعامل من نصفه الذي ضمنه يوم فوته بالغرس له، ولا كراء عليه فيه، ويكون عليه الكراء في سهم شريكه من يوم اغتله، وتكون له ثمرة ذلك النصف على رب الأرض يرجع بها عليه منذ يوم اغتلها، لأنه إنما دفع إليه أرضا فصار الذي أخذ منها من الثمرة من كراء أرضه فدخل في ذلك كراء الأرض بالثمرة، ففسخ ذلك وردت الثمرة إلى من أخذت منه، وصار على أخذها كراء نصف الغرس براحا لا غرس فيها منذ يوم اغتلها وهو العامل، قال سحنون: لا تكون له الغلة وجميع الغلة لصاحب الأرض يردها عليه العامل، ويكون على صاحب الأرض قيمة غرسه إن كانت له قيمة وأجرة عمل مثله، قال سحنون: لو أني جعلت له الثمرة لكان بيعا للثمرة قبل أن يبدو صلاحها.
قال محمد بن رشد: أما حكمه بفساد المغارسة على جزء من الأرض دون أن يسميا شبابا ولا حدا ينتهي إليه المغارسة فهو المشهور في المذهب، وأجاز ذلك ابن حبيب وجعل حدها الإطعام.
وأما حكمه بفسادها إلى أجل لا يكون الإطعام دونه فهو خلاف ما تقدم في هذا السماع، وقد مضى القول هنالك على ما يتخرج عليه كل قول منها على الأصول، وقوله في مسألة البيع الفاسد الذي نظر بها إن القيمة تكون في ذلك يوم ابتاعها، معناه إن كان البيع والقبض في وقت واحد؛ لأن القيمة لا تجب في البيع الفاسد إلا يوم القبض لا يوم البيع هذا اختلاف، ومسألة القليب الذي استدل بها على ما ذهب إليه من أنه بيع فاسد في نصف الأرض مسألة صحيحة إلا أنها لا حجة فيها إذ لا يلزم فيها على قياس القول بأنه يلزم المغارس قيمة نصف الأرض يوم فوتها بالغرس والكراء في النصف الثاني أن يلزمه الكراء في جميع الأرض لتفويته لها بالقليب.
وقوله: إنه يكون له الكراء في سهم شريكه من يوم اغتله هو مثل ما تقدم في سماع أبي زيد خلاف ما في سماع يحيى وفي رسم استأذن من سماع يحيى وفي رسم استأذن من سماع عيسى، وحكى ابن زرب أنه وجد في بعض الكتب لابن القاسم أنه لا كراء عليه في نصيب صاحب الأرض؛ لأنه كأنه أباح له الغرس فيها، قال فلذلك سكت عنه في غير هذا الموضع، وقد مضى توجيه الاختلاف هناك فلا معنى لإعادته، ومضى أيضا في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة فلا معنى لإعادته، وقول سحنون: إنها إجارة فاسدة في الجميع هو أحد أقوال ابن القاسم في المسألة في رسم يوصي من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

.مسألة الإجارة في عين الأجير:

قال: قلت: فإن أخذها على شباب معروف وحد ينتهي إليه وشرط عليه رب الأرض عمل شطره سنين مسماة بعد المقاسمة هل يجوز ذلك له أم لا؟ فقال: إن كان عمل النصف محدودا معروفا وكان مضمونا على العامل عاش أو مات فذلك جائز، وإن كان ذلك في عمل بدنه بعينه ما قام شخصه فلا خير فيه ويفسخ لأنها مخاطرة ولا يدري أيعيش العامل إلى ذلك الأجل أو يموت قبله؟ فإن مات غبن رب الأرض، فإن عاش إلى الأجل غبنه رب الأرض فتخاطرا بهذا، قال سحنون: هذا خطأ ولا يجوز هذا، وأول خطأ هذا أنه جعل وبيع شيء، فلا يجوز هذا على حال من الحال، ويصنع في هذا كما وصفت لك في أول المسألة.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وأصبغ مثل قول ابن القاسم، وزاد عن مطرف قال: فإن بطل الغرس بعد أن غرسه قيل لرب الأرض أعطه غرسا مثله يغرسه لك، ويقوم لك به إلى أجله، وهذا هو قول سحنون وقول أشهب في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة، وإليه ذهب ابن حبيب خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها من أن الإجارة لا تجوز في ذلك إلا بشرط الخلف وزاد عن أصبغ أنه أجاز ذلك، لأن المغارسة قد تمت بينهما، واعترض ذلك الفضل واعتراضه صحيح، إذ لا فرق في القياس بين أن يشترط عليه في المغارسة عملا يعمله قبل الغرس أو بعده، فقول ابن القاسم في هذه الرواية وقول أصبغ في الواضحة معارض لما مضى من قول أصبغ في نوازله حسبما بيناه هناك.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها- أن المغارسة على هذا الشرط لا تجوز كان العمل مضمونا على العامل أو في عينه غير مضمون عليه، على حكم الإجارة في عين الأجير، وهو الذي يأتي على قياس ما تقدم من قول أصبغ في نوازله.
الثاني- أن ذلك جائز إن كان العمل مضمونا على العامل، ولا يجوز إن كان في عينه غير مضمون عليه إلا أن يشترط الخلف إن بطل الغرس.
والثالث- إن ذلك جائز في الوجهين جميعا والحكم يوجب الخلف، وأما إن اشترط العمل في بدنه ما قام شخصه، فإن مات بطل عنه الشرط ولم يجب عليه لرب الحائط شيء فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، فإن وقعت المعاملة على ما لا يجوز باتفاق أو على ما لا يجوز عند من لا يجيزها على ما وقعت عليه فسخت، فإن فاتت بالعمل كان الحكم فيها على الاختلاف الذي قد مضى تحصيله في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى، وقول سحنون فيها على أصل مذهبه وأحد أقوال ابن القاسم وبالله التوفيق.

.مسألة ذهب الغرس وبطل ورجعت الأرض براحا على حالها الأول:

قلت: أرأيت إن عامله على النصف بحال ما ذكرت لك معاملة يفسخها بينهما فاغتلاها زمانا ثم ذهب الغرس وبطل ورجعت الأرض براحا على حالها الأول؟ فقال: يكون نصفها للعامل بقيمتها يوم أخذها براحا، لأنه ساعة فوتها بالغرس ضمنها بقيمتها فلا يسقط عنه الضمان رجوعها إلى حالها الأولى، ويكون أيضا للعامل الغلة كلها، وعليه كراء نصف الأرض منذ يوم أغتلها، فلا يكون عليه في نصفها الذي قوم عليه كراء ويكون على رب الأرض للغارس في نصفه الذي ذهب أجر عمله فيها إلى أن يبلغ الشباب الذي سمياه، هلك بعد ذلك أو كان قائما، وإن فات الغرس من قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس أجرة في غرسه نصف الأرض وما يدلك عليه قول مالك في الرجل يستأجر حفار القبور على حفر قبر فينهدم القبر من قبل أن يفرغ الحافر منه: إن ذلك عليه حتى يحفر ويفرغ منه، وإن انهدم القبر بعد فراغه منه فهو من المستأجر، وعليه للحافر أجرته كاملة، قال: قال سحنون: تكون جميع الغلة لصاحب الأرض، ويكون للعامل منها شيء ويعطى العامل أجرة مثله بعد أن يرد جميع ما أخذه من الغلة من قبل أن الشجر لو نبتت لم أجعل له فيها ولا في الأرض شيئا، فكيف إذا لم تنبت حينئذ أخرى أن لا يكون له شيء، قال ابن القاسم ومما يدلك على ذلك أيضا قولنا فوق هذه المسألة في القليب في الأرض غير المأمونة.
محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وتكون أيضا للعامل الغلة كلها معناه إلى يوم بلغت النخل الحد الذي اشترط إتمام المغارسة إليه، وأما فيما بعد ذلك إلى حين الحكم فتكون الغلة بينهما كما اغتلاها، ولا شيء في ذلك على واحد منهما لصاحبه، لأن العامل اغتل النصف الذي قد ضمن بالقيمة، وصاحب الأرض اغتل النصف الآخر الذي قد صار بانقضاء أمد المغارسة إليه وتولى القيام لنفسه عليه.
وقوله: فعليه كراء النصف لرب الأرض منذ يوم اغتلها معناه أيضا إلى يوم بلوغ النخل الحد المشترط.
فأما قوله: ويكون على رب الأرض للغارس في نصف الذي ذهب أجرة عمله فيه إلى أن يبلغ الشباب الذي سمياه هلك بعد أو كان قائما وإن مات الغارس من قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس أجرة في غرسه نصف رب الأرض فإنه كلام لا يستقيم رده على ما تقدم من القول، بأن الغلة كلها للعامل، وعليه كراء نصف الأرض، وإنما يصح على القول بأنه يرد في نصف رب الأرض إلى إجارة المثل فيؤديها إلى العامل وتكون غلة ذلك النصف له لا للعامل، ويرد إليه مع ذلك قيمة الغرس يوم وضعها في الأرض، فهو خروج من قول إلى قول دون واسطة، وأراه سقط من الأم شيء من الكلام.
وأما قوله: إن الغرس إن مات من قبل أن يبلغ ذلك الشباب للغارس أجرة في غرسه نصف رب الأرض فهو قول سحنون ومذهبه، وخلاف المعلوم من مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها في أن له من الأجر بقدر ما مضى من العمل، وإنما اختلف قوله في ذلك في المدونة إذا كانت الإجارة بما لا يملك من الأرض كالقبر يستأجر الرجل على حفره في المقبرة.
فإن صح هذا الكلام والاحتجاج لابن القاسم يحصل من مذهبه في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها- أنه لا شيء له من أجرته إلا بعد تمام العمل.
والثاني- أن له من أجرته بحساب ما عمل.
والثالث- الفرق في ذلك بين ما يملك من الأرضيين أو لا يملك، وقول سحنون على ما اختاره من أقوال ابن القاسم أنه يرد في الجميع إلى أجرة مثله.

.مسألة يستأجران فيدعي أحدهما في مبايعة صاحب الحلال ويدعي الآخر الحرام:

قال: قلت فإن أخذها على أن يغرسها على النصف ولم يذكر الأرض ولا الثمر فاختلفا فقال العامل عاملتك على أن لي نصف الأرض، بل على أن الثمرة بيننا وحدها أو الشجر بيننا وحدها دون الأرض؟ فقال لي: إن كان للبلد سنة في معاملتهم حملوا عليها، قلت: فإن كان البلد العامل فيه على الوجهين، وهما يجريان به جميعا؟ فقال: القول في ذلك قول العامل مدعي الحلال منهما مع يمينه، ورب الأرض مدعي لأنه يدعي سببا يريد فسخ عملهما في ارتجاع الأرض، وقد قال مالك في الرجلين يستأجران فيدعي أحدهما في مبايعة صاحب الحلال ويدعي الآخر الحرام: إن القول قول مدعي الحلال منهما مع يمينه، والآخر مدعي؛ لأنه يريد فسخ ما ثبت من يبيع الحلال.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في سماع أبي زيد فلا معنى لإعادة شيء منه.

.مسألة ثبتت بينة على أنهما تعاملا على أن الثمرة بينهما ما قامت الشجرة:

قال: قلت: فإن ثبتت بينة على أنهما تعاملا على أن الثمرة بينهما ما قامت الشجرة فإذا ذهبت الشجرة فلا شيء للعامل في الأرض أو على أن الشجر وحدها دون البياض.
فقال: لا يجوز ذلك ويفسخ متى ما عثر عليه وترد إلى ربها ويكون عليه للعامل قيمة غرسه مقلوعا بالأرض أو يتركه يقلع غرسه إن أبى أن يعطيه قيمته، وتكون الغلة كلها للعامل ويكون عليه كراء الأرض كلها منذ يوم اغتلها، قال: قال سحنون: الغلة كلها لصاحب الأرض ويعطي للعامل أجرة مثله.
قلت: ولم جعلت للعامل قيمة عمله مقلوعا وهو إنما عمل على وجه شبهة؟ فقال: من قبل أن رب الأرض إنما أكراه أرضه بثمرة تخرج منها على أن يغرسها أصولا ما قامت الشجر، فصار كراء لا أمد له، وكراء الأرض بالثمرة أيضا، فلابد من رد الأرض إلى صاحبها على حال ما خرجت من يديه براحا لا غرس فيها، لأنك إن لم تفعل وجعلت عليه فيها القيمة لعمل العامل أدخلت عليه ما يحجبه عن أرضه، فإن لم يقدر عليها أو كره أن يعطيها إياه وألزمته إياها صرت أن بعت منه شيئا للعامل في أجرته أو أعطيتها إياه فيها، فصار ما خرج من يديه من أرضه منفوصا حين رجع إليه محجوبا عنه حتى يعطي ما لزمته من الأجرة فهذا يبين لك ما سألت عنه، ولأنه أيضا إنما عامله على أن يعطيه في كرائها ثمرة أو أصلا ما قام الأصل، وفي المسألة الأولى إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه منها، فصار أجيرا في غرس نصفه بما أعطاه من نصف أرضه.
قلت فإن ذهب الغرس ورجعت الأرض إلى حالها أولا براحا لا غرس فيها والمسألة على حالها؟
فقال: تكون الثمرة كلها للعامل، ويكون عليه كراء الأرض منذ يوم اغتلها، ولا يكون له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة ما عمل، لأنه إنما كان يعطيه قيمته مقلوعا بالأرض، فقد ذهب وبطل؛ لأنه إنما كان العمل له لا لرب الأرض، وفي المسألة الأولى إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن بلغ الشباب والقدر لرب الأرض لا للغارس، ولذلك أو جبنت للغارس قيمة عمله فيه على رب الأرض فهذا شأنه، قال سحنون: الثمرة كلها لصاحب الأرض ويعطي العامل أجرة مثله.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وفي المسألة الأولى إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه منها يريد المسألة المتقدمة التي غارسه فيها على نصف الأرض إلى أجل تكون الثمرة دونه. فقوله فيها هاهنا فصار أجيرا في غرس نصفه بما أعطاه من نصف أرضه وقوله بعد ذلك: وفي المسألة الأولى إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن بلغ الشباب والقدر لرب الأرض لا للغارس فلذلك أوجبت للغارس قيمة عمله على رب الأرض، فهذا شأنه خلاف قوله في المسألة المتقدمة لأنه لم يجعله فيها أجيرا في نصف رب الأرض، وإنما جعله فيها مكتريا له، فأعطاه جميع الغلة، وقول سحنون على أصله في أنه يكون أجيرا في الجميع، وقد تقدم هذا المعنى في مواضع، ومضى تحصيل الاختلاف فيه في رسم يوصي لمكاتبة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.
تم كتاب المزارعة والمغارسة بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الكريم اللهم عونك.
تم كتاب المغارسة بحمد الله تعالى.